ابو البركات

189

الكتاب المعتبر في الحكمة

الجوهر . والحكماء الأقدمون لما رأوا النار تصعد بطبعها « 1 » حكموا بأن حيزها هو الاعلى وانها محيطة بالهواء كإحاطة الهواء بالماء والماء بالأرض ولو كانت منيرة كما ترى شعلها الموجودة عندنا لرئى ذلك النور محيطا منيرا جدا ولما لم يروا ذلك كذلك قالوا بأنها لا لون لها ولا نور كالهواء وانما اللون والنور يظهر ان من قوتها وطبيعتها على الاجزاء الأرضية المختلطة بها . ولذلك تكون بغلبة الدخانية أشد فاشد تلونا حتى تنتهى إلى ظلمة دخانية لا نور لها ومن لدن اشتعالها وقاعدة صنوبريتها ترى شفافة وأقل لونا ، قالوا وانما ذلك لقلة الدخان عند القاعدة وكثرته عند الطرف الأعلى فتكون الاجزاء الأرضية بحسب هذا الرأي مستنيرة من النار التي لا نور لها وتقف الأذهان في قبول هذا فيشيد ويوضح بان يقال إن الجسم النارى فيه هيولى جسمانية شفافة لطيفة وصورة نارية هي حرارة محرقة وتلك الحرارة تصدر عنها افعال في موضوعها الهيولاني وفي غيره اما ما يصدر عنها في وضوعها وهيولاها فتحريكه بالاستقامة إلى فوق نحوا الحيز الاعلى واما ما يصدر عنها في غيره فان توجد فيه حرارة أخرى من نوعها وتحركه صاعدا كما حركت موضوعها وتلطف أجساما وترققها كالجامد من الماء وتخرق أجساما وتفرقها كالدهن والحطب وكذلك تنير أجساما كثيفة أرضية قابلة للأنوار التي لا يقبلها موضوعها الشفاف ولا ينيره ولا ينير الهواء فحرارة النار منيرة لأشياء دون غيرها كما هي محرقة لأشياء دون غيرها ومبيضة لأشياء ومسودة لأشياء وعاقدة لأشياء ومسيلة لأشياء كل ذلك بحسب الاستعداد والقبول وبهذا التشييد والايضاح لا يتم قبوله ولا يتحقق يقينه عند أهل النظر ويعارض بان يقال إن النار غير موجودة بالفعل في الحيز المحيط بالهواء ولا في غيره بل تحدث حرارتها باحتكاك الأجسام الصلبة كما ترى فتتعلق بموضوع قابل كالكبريت والقصب فتظهر فيه وتستولى عليه ولا تقف في مكانها بل تصعد ولا تبقى زمانا طويلا بل تفسد وانما يبقى منها ما يبقى بالاستبدال والمدد ولو كانت النار

--> ( 1 ) سع - بطباعها .